ابن الأثير
86
الكامل في التاريخ
راسل صلاح الدين في الصلح . وأظهر من ذلك ضدّ ما كان يظهره أوّلا ، فلم يجبه صلاح الدين إلى ما طلب ظنّا منه أنّه يفعل ذلك خديعة ومكرا ، وأرسل يطلب منه المصافّ والحرب ، فأعاد الفرنجيّ رسله مرّة بعد مرّة ، ونزل عن تتمّة عمارة عسقلان و [ تخلّى ] عن غزّة والداروم والرملة ، وأرسل إلى الملك العادل في تقرير هذه القاعدة ، فأشار هو وجماعة الأمراء بالإجابة إلى الصلح ، وعرّفوه ما عند العسكر من الضجر والملل ، وما قد هلك من أسلحتهم ودوابّهم ونفد من نفقاتهم ، وقالوا : إنّ هذا الفرنجيّ إنّما طلب الصلح ليركب البحر ويعود إلى بلاده ، فإن تأخرت إجابته إلى أن يجيء الشتاء وينقطع الركوب في البحر نحتاج للبقاء هاهنا سنة أخرى ، وحينئذ يعظم الضرر على المسلمين . وأكثروا القول له في هذا المعنى ، فأجاب حينئذ إلى الصلح ، فحضر رسل الفرنج وعقدوا الهدنة ، وتحالفوا على هذه القاعدة . وكان في جملة من حضر عند صلاح الدين باليان بن بارزان « 1 » الّذي كان صاحب الرملة ونابلس ، فلمّا حلف صلاح الدين قال له : اعلم أنّه ما عمل أحد في الإسلام [ مثل ] ما عملت ، ولا هلك من الفرنج مثل ما هلك منهم هذه المدّة ، فإنّنا أحصينا من خرج إلينا في البحر من المقاتلة ، فكانوا ستّمائة ألف رجل ما عاد منهم إلى بلادهم من كلّ عشرة واحد ، بعضهم قتلته أنت ، وبعضهم مات ، وبعضهم غرق . ولمّا انفصل أمر الهدنة أذن صلاح الدين للفرنج في زيارة البيت المقدّس . فزاروه وتفرّقوا ، وعادت كلّ طائفة إلى بلادها . وأقام بالساحل الشاميّ ، ملكا على الفرنج والبلاد التي بأيديهم ، الكندهري ، وكان خيّر الطبع ، قليل الشرّ ، رفيقا بالمسلمين ، محبّا لهم ، وتزوّج بالملكة التي كانت تملك بلاد الفرنج قبل أن يملكها صلاح الدين ، كما ذكرناه . وأمّا صلاح الدين ، فإنّه بعد تمام الهدنة سار إلى البيت المقدّس ، وأمر
--> ( 1 ) . بيرزان . B